ابو النوري
02-10-2009, 12:08 PM
جاء من الجنوب الفارس محمد المهادي القحطاني غازياً باتجاه الشمال ، ونظراً لوجود حلف
قديم بين قبيلة سبيع وقبيلة عبيدة بن قحطان .. نزل المهادي ضيفاً على زعيم بني عامر من
سبيع ، وكأن القدر يحمله من الجنوب إلى الشمال ، ليبدأ الفصل المؤلم في قصة << مفرّج
وعمشا >> .
رأى المهادي مجموعة من الصبايا يسترقن النظر خلسة إلى هؤلاء الفرسان العابرين إلى
ديارهن ، ومع أن نظرات الصبايا كانت بريئة ، شاء الله أن تقع عين المهادي على << عمشا
>> من دون كل الصبايا ، << عمشا >> التي رحل والدها وتركها تعيش في كنف عمها ،
وولده << مفرّج >> ، ونسجت الأيام بينهما قصة حب نادرة ، لكن المهادي منذ أن رآها اشتعل
قلبه بحبها .
ومن هنا : افتعل المهادي قصة لمرضه ، حتى يستطيع البقاء في ديار بني عامر أطول وقت
ممكن ، كان يبحث عن فارسٍ يبوح له بسره ، وأخيراً اهتدى إلى << مفرّج >> : اختار الحبيب
لكي يكشف له أنه يعشق حبيبته ويريد الزواج منها ، فنزلت كلمات المهادي كالصاعقة على
مفرّج الذي وضعته الظروف في هذا الامتحان الصعب ، فأجابه مفرّج : لا تقلق .. غداً سوف
آتيك بالخبر اليقين ، وذهب مفرّج كما المطعون إلى والده ، يطرح عليه الموضوع ، ويأخذ
بمشورته ، فقال له والده : << المره غيرها مره ، لكن وين نلقى عز مثل عز المهادي >> ؟ ..
فذهب مفرّج والألم يعصر قلبه إلى المهادي قائلاً : << هذي أختي وحنّا قبلنا بك زوجاً لها على
سنة الله ورسوله >> . ولم تغب شمس اليوم التالي ، إلا وعمشا عروساً للمهادي ، وحين دخل
المهادي خدر عروسه لم يجدها تنتظره كعروس وإنما تنتظره كفارس يعلن أمامه كل الحقيقة ،
حقيقة حبها لابن عمها مفرّج وتنازله عنها إكراماً للمهادي . ولأن المهادي فارس شهم قدّر
تضحية مفرّج ، وحملها جميلاً على كتفيه ، وشقَّ سكون الليل قادماً إلى مفرّج يقول له : <<
غلبتني يا مفرّج بطيبك ، لكن أنا رديتها لك >> . اقترب المهادي من مفرّج ، ومدّ له يده ، وهو
يشرح له ماحدث بينه وبين عمشا ..
يقول المهادي << يوم دخلت عليها لقيتها واقفة كالذيب ، حاولت أميل راسها بالشعر عيَّت ،
وانتفضت تقول لي : اسمع يا بن الحلال ، ترى مفرّج ماهوب أخوي ، مفرّج ابن عمي وكنا
متفقين على الزواج ، لكن مرض أمه هو اللي أخرنا >> .. وهكذا عرف المهادي القصة كلها
، وأراد أن يرد المعروف للفارس الذي ضحّى بحبيبته من أجله ، وحفاظاً على سمعة عمشا ..
لم يطلقها المهادي مباشرةً وإنما مكث عدة أيام في ضيافة والد مفرّج ، بعد أن اتفق مع مفرّج
على أن يطلقها ، خلال تلك الأيام توطدت الصداقة بين المهادي ومفرّج لدرجة فاقت الأخوّة ،
وبعدها رحل المهادي إلى ديار قومه ، ومن هناك أرسل الهدايا ومعها خبر طلاق عمشا ، فعادت
الحياة إلى روح مفرّج مرة أخرى وتزوجا وأنجبا ، وبقيت مراسيل الصداقة توطد علاقة
الفارسين أكثر فأكثر .
دارت الأيام دورتها وانقضت عشرين سنة وأراد الله لهذه القصة أن تكمل فصولها ، حيث ضاقت
الدنيا على مفرّج ، وزوجته ، وأولاده الثلاثة ، بعد أن فقد زعامة قبيلته ، وذهب عنه عزّه
وماله ، فاتفق مع زوجته عمشا على الذهاب إلى ديار المهادي ، لينجدهم من قبضة الفقر الذي
لم يستطع محاربته .
وما هي إلا أيامٌ قليلة ، حتى كان مفرّج ، وزوجته ، وأولاده ضيوفاً على المهادي الذي استقبلهم
بحفاوة منقطعة النظير ، وأمر إحدى زوجاته بأن تخلي بيتها بالكامل وتذهب إلى مكان آخر ،
ليكون البيت داراً لمفرج وزوجته وأولاده ، وهو ما قد حدث ، حيث وجدت عمشا حفاوة من
زوجتي المهادي والنساء الأخريات ممن سمعن عنها وجئن لرؤيتها والتعرف عليها ، وقبل أن
تغادر زوجة المهادي بيتها تاركة إياه لزوجة مفرّج قالت لها بأن ابنها يذهب إلى المقناص مع
أصدقائه ويعود في وقت متأخر من الليل لينام إلى جواري ، وهو لم يعرف بأننا تركنا البيت ،
لذلك عليك الانتظار حتى يأتي فتخبريه إلى مكاني ، وابتسمت عمشا وهي تودع زوجة المهادي
، فرحة بعد أن استقر بهم المقام ، وفي الوقت الذي كانت فيه عمشا تراقب نوم أولادها الثلاث ،
وهم ينعمون بنوم عميق ، ودفء لم يشعروا به منذ وقت طويل ، كان مفرّج ينعم هو الآخر
بضيافة المهادي وربعه الذين احتفوا به أيما احتفاء ، كان الليل مختلفاً في عيون عمشا التي
أطلقت نظراتها تترقب قدوم زوجها ، لكن عندما تأخر غالبها النعاس حتى راحت في نوم عميق ،
ونست تماماً أن ابن المهادي قد يأتي في أي لحظة من القنص ، وينام في ذات المكان الذي
تعود أن ينام فيه إلى جوار أمه ، نامت عمشا وفي تلك الأثناء كان قد حل موعد رجوع ابن
المهادي الذي دخل كعادته متعباً يسلم نفسه إلى النوم ، لم تشعر به عمشا ، ولم يخطر على باله
أن التي ينام بجانبها امرأة أخرى غير أمه ، وهكذا أخذ النوم الاثنين إلى رحلة بعيدة ، وماهو
مفرّج يودع صديقه بهمسات تمطر المتبقي من الليل صدقاً ومحبة ، كان مفرّج يتشوق إلى رؤية
زوجته وأولاده بعد استقر بهم الحال ، وعندما اقترب من المنزل كانت رائحة عطر زوجته تعود
به إلى ذكريات الأيام الخوالي ، تلك الأيام التي طوتها الظروف الصعبة التي مرت بهم وجعلتهم
يتركون ديارهم ، دخل مفرّج ليطمئن على نوم أولاده ، وقد جذبته رائحة العطر إلى حيث زوجته
، لكنه عندما دخل صعق من هول ما رأى ، لقد وجد جسداً آخر يتمدد إلى جوار زوجته ، رفع
الغطاء بسرعة البرق ، وإذ به يجد رجلاً ، نعم إنه رجل ينام جنباً إلى جنب زوجته في فراش
واحد ، لقد جن جنون مفرّج ، وقبل أن يتحرك ذلك الرجل سحب سيفه من غمده وضربه ضربة
واحدة كانت كافية لإنهاء حياته ، كانت الضربة الخاطفة أسرع من دهشة عمشا التي أفاقت من
نومها العميق مفجوعة ، صرخت : << وش سويت يا مفرّج .. وش سويت ، هذا ولد المهادي
يا مفرّج يضوي من المقناص تالي الليل وينوم جنب أمه ، وما درى أن أمه تركت لنا البيت >>
سقطت كل الشكوك وتطايرت في الهواء ، ولم يبق لمفرّج سوى أمل أن يقلب الجثة ربما يجد
الروح ما زالت فيها ، لكن إرادة الله قد نفذت ، جلست عمشا عند رأس الولد الميت تبكي ذلك
الحظ العاثر ، ومفرّج تحول هو الآخر إلى جثة ليس فيها إلا بقايا حياة ، لا يدري ماذا يفعل في
تلك المصيبة التي حلّت به من أول ليلة حلّ فيها ضيفاً على المهادي ، أول ليلة ينزل عليه ضيفاً
يقتل ولده ، يالها من حيرة ماذا سيفعل ؟ .. جلس مفرّج يفكر ويفكر ثم اهتدى إلى أن يذهب إلى
المهادي ويقص عليه القصة المفجعة ، ويسلمه نفسه فإن شاء أعتقه وإن شاء قتله .
ذهب مفرّج إلى المهادي تملأه الحسرة ، وعندما قص عليه ماحدث أغلق المهادي فمه خوفاً
من أن تسمعه زوجته - أم الفتى المقتول - وخرج به من المنزل ، وبشهامة العرب تكتم
المهادي على الخبر ، وحبس أوجاعه على فقد ابنه بداخله ، وذهبا معاً حيث الجثة ، ألقى
المهادي نظرة أخيرة على ابنه المقتول ، واستحلف مفرّج وزوجته بان لا يخبرا أحداً بما حدث ،
وأن يتركا الأمر لحسن تدبيره ، وبقلب لا يعرف التردد حمل المهادي ابنه ذاهباً به إلى المكان
الذي تعوَّد اللعب والجلوس فيه مع أبناء القبيلة ، ووضعه بجوار شجرة وهو يحرسه متمتماً
<< والله لو قاتلك مية فارس غير آخذ بثأرك ، يا ولدي ، لكن هذا الرجال اللي ضربك ما كان
يقصد يقتلك ، هذا ياولدي مثل أخوي وأكثر >> واستمر المهادي يهجس بقصة صداقته لمفرج ،
وبعد أن اطمئن على جثة ابنه من أن تأتي السباع وتنهشها ، ذهب إلى داره منتظراً الخبر ، وما
هي إلا دقائق وجاء من يصرخ : << سالم مات .. سالم مات >> فتسابق الرجال والنساء وفي
مقدمتهم المهادي إلى مكان الجثة ، وعندما وصل إلى هناك ثار وطالب الجميع بأن يدلوه على
قاتل ابنه << ثم استمر يضغط على قومه حتى اجتمع كبار القبيلة وشيوخها وطلبوا منه أن
يحدد ديّة تدفع عن ابنه المقتول ما دام جميع أفراد القبيلة في موضع اتهام >> وكان هذا ما
يريده المهادي ، حيث طلب ناقة عن كل رجل ، وقبلت القبيلة بشروطه ، بعدها قسّم المهادي
الديّة إلى قسمين ، الأول قدمه في نفس الوقت إلى أم ابنه المقتول ، والقسم الثاني أعطاه
لمفرّج ، والمهادي بهذه الخطوة يؤكد له أنه سامحه ، وهكذا مضت << 8 >> سنوات
والمهادي يجلس مع مفرّج وهو قاتل ابنه ، وعمشا تجلس مع أم القتيل وهي تكتم في قلبها
السر المؤلم ، و << بعد ثماني سنوات فوجىء مفرّج بأن صديقه المهادي يطلب منه الرحيل ،
فعندما كانا يلعبان << الشيزة >> ألمح المهادي إلى مفرّج بأنه لا يريد بقاءه ، وبطريقة غير
مباشرة يطلب منه الرحيل حيث قال له أكثر من مرة << ارحلوا ولا رحلنا >> بدلاً من كلمة <<
العبوا ولا لعبنا >> وصلت الرسالة إلى مفرّج وضاقت في وجهه الدنيا ، وتعب من التفكير في
السبب الأقوى من قتل الولد ، لقد قتل مفرّج ابن المهادي ومع ذلك لم يطلب منه هذا الطلب ،
وبالتالي فهم مفرّج بأن هناك ما هو أفدح من القتل ، لكن ما هو بالضبط لا يعرف ، فكّر أن
يذهب للمهادي ويستأذنه في الرحيل ، فإن منعه امتنع ، وإن وافق فهذا يعني أن هناك مشكلة
كبيرة لا بد من معرفتها . في الصباح كانت مقابلة المهادي لمفرّج فاترة على غير العادة ،
وكانت هذه رسالة أخرى لطلب الرحيل ، عاد مفرّج إلى البيت مسرعاً ، وأسرع بالرحيل ، لم
تكن له وجهة محددة وأخذته دروب الصحراء ، إلى أن اهتدى لفكرة بها مكن أن يعرف السبب ،
لقد كان المهادي شاعراً يغني همومه على الربابة وقت الضيق ، يغنيها بعد أن تنام عيون
الناس ، ومفرّج كان يعرف عنه هذه العادة ، وعندما اطمئن إلى أن عيون الناس قد غفلت ،
وأن هذا هو الموعد الذي يشجي فيه صديقه ، تسلل واسترق السمع تاركاً زوجته وأولاده
ومتاعه في عرض الصحراء ، اختبأ مفرّج خلف شجرة قريبة من مجلس المهادي ، وبعد أن
انفض السمار من حوله ، أخذ ربابته وبدأ الشجن :
يقـول المهـادي والمهـادي محمـد = لاوا علّتي جميع الورى ما درى بها
أنـا إن بينتهـا بانـت لرمـاقـة الـعـدا = وإن كنيتهـا ضـاق الحشـا بالتهابهـا
ثمـان سنـيـن وجـارنـا مـجـرم بـنـا = وهو كما واطي جمرة ما درى بهـا
رحـل جـارنـا مــا جــاه مـنـا رزيــه = ولـو جتـنـا مـنـه مــا جــاه عتابـهـا
نرفـو خمـال الجـار إلـى داس ذلـه = كمـا ترفـو بـيـض الـعـذارى ثيابـهـا
ترى جارنا القالط علـى كـل طلبـه = ولو كان ما يلقـى شهـود غـدا بهـا
الأجواد مثل العد مـن ورده ارتـوى = والأنذال لا تسقي ولا ينسقي بهـا
الأجواد مثل الزمل للشيل ترتكـي = الأنذال مثل الحشو كثير الرغـا بهـا
إلى أن وصل إلى البيت الذي كشف السر لمفرّج والذي يقول فيه :
ولي عجوز من سبيع آل عامر = مضيعـه غرّانهـا فـي شبابـهـا
هنا فهم مفرّج أن ذنباً كبيراً اقترفه أحد أبنائه . لكن رغم ذلك فإن المهادي ظل محتفظاً بمحبة
مفرّج وصداقته ، ففي القصيدة نفسها يقول المهادي :
أقسمت يا أرضٍ خلت من مفرّج = ما أبغاها ولو هو زعفـرانٍ ترابهـا
هذا البيت بالإضافة إلى جملة الأوجاع التي يعيشها مفرّج ضاعف شعوره بحجم المأساة ،
وضاعف أيضاً من رغبته في ضرورة الوصول للحقيقة الكاملة ، وعاد مفرّج إلى حيث ترك
زوجته وأولاده وحلاله ، عاد وهو ينوي اختبار أولاده الثلاثة بعدما تيقن بفطنة الفارس العربي
أن شيئاً قد فعله أحد أبنائه يتعلق ب << نورة >> بنت المهادي ، فلا شيء غير الشرف يمكن
أن يكون سبباً فيما حدث ، وفكر مفرّج وفكر ، وعندما وصل إلى مكان أهله كانت خطة الاختبار
قد نضجت في عقله ، استدعى ابنه الكبير وقال له : << المهادي باعنا وطردنا من ديرته وأنا
والله ما نيب متحسف على شيء أكثر من تركنا لبنته نورة ، ما كسبناها لا حلال ولا حرام >>
نظر الابن إلى أبيه بدهشة فألح الأب وألح ، وحاول أن يخطف من الابن ولو كلمة تدينه ، لكن
الابن كان شهماً ، وقال لأبيه << والله لو تنطبق السما على الأرض ما أخون جاري في
محارمه ، وهذي يا بوي جارتنا مثل أختنا >> فرح مفرّج بعفّة وشهامة ابنه ، ورتب الأمور
لاختبار ابنه الأوسط ، ومثلما أغرى الأول كي يخطف منه بعض الاعتراف ، فعل مع الثاني ،
لكنه أيضاً قطع الشك اليقين وأثبت لأبيه أنه لا يمكن أن يفعل مثل هذه الأشياء ، لكن فرحة
مفرّج بعفة وشهامة ولديه : الأكبر والأوسط ، عكرها ولده الأصغر ، فعندما قال له والده بقصد
الإيقاع به << يوم كنت في عمرك كنت سيد النساء ، ولو أنا في عمرك الآن ما أرحل من ديار
المهادي إلا وأنا مجتمع مع بنته نورة يا حلال يا حرام >> وبسرعة وقع المذنب في شر لسانه
، فقد ردَّ على والده قائلاً : << لو تأخرنا يوم واحدعن الرحيل أخذت بنت المهادي >> وبدأ
يصف محاسنها ويقص لأبيه كيف كان يتلصص عليها ، وكلما كان حديثه عنها يطول ، كان ثورة
الغضب تشتعل في دم والده ، الذي لم يطق أكثر فسحب سيفه وما هي إلا لحظات وكانت رأس
ابنه ملقاة على التراب ، << لقد قتل مفرّج ابنه ، وحمل رأسه تاركاً جسده لسباع الأرض >>
حملها ورأسه هو تضجّ مما يحيرها ، حتى وصل إلى زوجته وأولاده ، أخفى رأس الولد عنهم
ليعرف أولاً ردة فعلهم على الجريمة التي اقترفها الابن الأصغر ، فكانت رأيهم على الفور أن
تضرب رأسه وترسل للمهادي ، وفي منتصف الليل الدامس وضع مفرّج رأس الولد المقتول
بين يدي أخويه ليذهبا بها إلى المهادي ، فقطعا الطريق حزناً وألماً إلى بيت المهادي وعندما
رآهما من بعيد ، وفي حالة يرثى لها صرخ فيهما ، << مفرّج فيه شيء >> ؟ لكن الجواب كان
كلاماً كثيراً تختصره رأس أخيهما التي وضعاها أمامه ، وبغصة حزن عالية صرخ المهادي :
<< والله أخطيت يا مفرّج ، والله أخطيت يا مفرّج >> .
ومن هول المنظر تحول الرجال الذين جمعهم مجلس المهادي إلى حالة من الذهول ، فقد حمل
المهادي الرأس المقطوع وسط ذلك الجمع وهو يصرخ بكل صوته قائلاً << يا ويلك يالمهادي يا
ويلك >> ثم يحتضن ابني مفرّج الذين حملا رأس أخيهما ، وهو يبكي ويشكي ويقول بنبرة
يغلفها الحزن والألم << والله أخطيت يا مفرّج >> فكست الدموع الوجوه لأن مفرّج اختار
أصعب الحلول ليرضي صديقه ، ويكفّر عن الذنب الذي اقترفه ابنه .
ويسجل التاريخ واحدة من أجمل وأروع قصص الشهامة التي عاشتها الجزيرة العربية التي
كانت دائماً مسرحاً للعديد والعديد من الأحداث .
قديم بين قبيلة سبيع وقبيلة عبيدة بن قحطان .. نزل المهادي ضيفاً على زعيم بني عامر من
سبيع ، وكأن القدر يحمله من الجنوب إلى الشمال ، ليبدأ الفصل المؤلم في قصة << مفرّج
وعمشا >> .
رأى المهادي مجموعة من الصبايا يسترقن النظر خلسة إلى هؤلاء الفرسان العابرين إلى
ديارهن ، ومع أن نظرات الصبايا كانت بريئة ، شاء الله أن تقع عين المهادي على << عمشا
>> من دون كل الصبايا ، << عمشا >> التي رحل والدها وتركها تعيش في كنف عمها ،
وولده << مفرّج >> ، ونسجت الأيام بينهما قصة حب نادرة ، لكن المهادي منذ أن رآها اشتعل
قلبه بحبها .
ومن هنا : افتعل المهادي قصة لمرضه ، حتى يستطيع البقاء في ديار بني عامر أطول وقت
ممكن ، كان يبحث عن فارسٍ يبوح له بسره ، وأخيراً اهتدى إلى << مفرّج >> : اختار الحبيب
لكي يكشف له أنه يعشق حبيبته ويريد الزواج منها ، فنزلت كلمات المهادي كالصاعقة على
مفرّج الذي وضعته الظروف في هذا الامتحان الصعب ، فأجابه مفرّج : لا تقلق .. غداً سوف
آتيك بالخبر اليقين ، وذهب مفرّج كما المطعون إلى والده ، يطرح عليه الموضوع ، ويأخذ
بمشورته ، فقال له والده : << المره غيرها مره ، لكن وين نلقى عز مثل عز المهادي >> ؟ ..
فذهب مفرّج والألم يعصر قلبه إلى المهادي قائلاً : << هذي أختي وحنّا قبلنا بك زوجاً لها على
سنة الله ورسوله >> . ولم تغب شمس اليوم التالي ، إلا وعمشا عروساً للمهادي ، وحين دخل
المهادي خدر عروسه لم يجدها تنتظره كعروس وإنما تنتظره كفارس يعلن أمامه كل الحقيقة ،
حقيقة حبها لابن عمها مفرّج وتنازله عنها إكراماً للمهادي . ولأن المهادي فارس شهم قدّر
تضحية مفرّج ، وحملها جميلاً على كتفيه ، وشقَّ سكون الليل قادماً إلى مفرّج يقول له : <<
غلبتني يا مفرّج بطيبك ، لكن أنا رديتها لك >> . اقترب المهادي من مفرّج ، ومدّ له يده ، وهو
يشرح له ماحدث بينه وبين عمشا ..
يقول المهادي << يوم دخلت عليها لقيتها واقفة كالذيب ، حاولت أميل راسها بالشعر عيَّت ،
وانتفضت تقول لي : اسمع يا بن الحلال ، ترى مفرّج ماهوب أخوي ، مفرّج ابن عمي وكنا
متفقين على الزواج ، لكن مرض أمه هو اللي أخرنا >> .. وهكذا عرف المهادي القصة كلها
، وأراد أن يرد المعروف للفارس الذي ضحّى بحبيبته من أجله ، وحفاظاً على سمعة عمشا ..
لم يطلقها المهادي مباشرةً وإنما مكث عدة أيام في ضيافة والد مفرّج ، بعد أن اتفق مع مفرّج
على أن يطلقها ، خلال تلك الأيام توطدت الصداقة بين المهادي ومفرّج لدرجة فاقت الأخوّة ،
وبعدها رحل المهادي إلى ديار قومه ، ومن هناك أرسل الهدايا ومعها خبر طلاق عمشا ، فعادت
الحياة إلى روح مفرّج مرة أخرى وتزوجا وأنجبا ، وبقيت مراسيل الصداقة توطد علاقة
الفارسين أكثر فأكثر .
دارت الأيام دورتها وانقضت عشرين سنة وأراد الله لهذه القصة أن تكمل فصولها ، حيث ضاقت
الدنيا على مفرّج ، وزوجته ، وأولاده الثلاثة ، بعد أن فقد زعامة قبيلته ، وذهب عنه عزّه
وماله ، فاتفق مع زوجته عمشا على الذهاب إلى ديار المهادي ، لينجدهم من قبضة الفقر الذي
لم يستطع محاربته .
وما هي إلا أيامٌ قليلة ، حتى كان مفرّج ، وزوجته ، وأولاده ضيوفاً على المهادي الذي استقبلهم
بحفاوة منقطعة النظير ، وأمر إحدى زوجاته بأن تخلي بيتها بالكامل وتذهب إلى مكان آخر ،
ليكون البيت داراً لمفرج وزوجته وأولاده ، وهو ما قد حدث ، حيث وجدت عمشا حفاوة من
زوجتي المهادي والنساء الأخريات ممن سمعن عنها وجئن لرؤيتها والتعرف عليها ، وقبل أن
تغادر زوجة المهادي بيتها تاركة إياه لزوجة مفرّج قالت لها بأن ابنها يذهب إلى المقناص مع
أصدقائه ويعود في وقت متأخر من الليل لينام إلى جواري ، وهو لم يعرف بأننا تركنا البيت ،
لذلك عليك الانتظار حتى يأتي فتخبريه إلى مكاني ، وابتسمت عمشا وهي تودع زوجة المهادي
، فرحة بعد أن استقر بهم المقام ، وفي الوقت الذي كانت فيه عمشا تراقب نوم أولادها الثلاث ،
وهم ينعمون بنوم عميق ، ودفء لم يشعروا به منذ وقت طويل ، كان مفرّج ينعم هو الآخر
بضيافة المهادي وربعه الذين احتفوا به أيما احتفاء ، كان الليل مختلفاً في عيون عمشا التي
أطلقت نظراتها تترقب قدوم زوجها ، لكن عندما تأخر غالبها النعاس حتى راحت في نوم عميق ،
ونست تماماً أن ابن المهادي قد يأتي في أي لحظة من القنص ، وينام في ذات المكان الذي
تعود أن ينام فيه إلى جوار أمه ، نامت عمشا وفي تلك الأثناء كان قد حل موعد رجوع ابن
المهادي الذي دخل كعادته متعباً يسلم نفسه إلى النوم ، لم تشعر به عمشا ، ولم يخطر على باله
أن التي ينام بجانبها امرأة أخرى غير أمه ، وهكذا أخذ النوم الاثنين إلى رحلة بعيدة ، وماهو
مفرّج يودع صديقه بهمسات تمطر المتبقي من الليل صدقاً ومحبة ، كان مفرّج يتشوق إلى رؤية
زوجته وأولاده بعد استقر بهم الحال ، وعندما اقترب من المنزل كانت رائحة عطر زوجته تعود
به إلى ذكريات الأيام الخوالي ، تلك الأيام التي طوتها الظروف الصعبة التي مرت بهم وجعلتهم
يتركون ديارهم ، دخل مفرّج ليطمئن على نوم أولاده ، وقد جذبته رائحة العطر إلى حيث زوجته
، لكنه عندما دخل صعق من هول ما رأى ، لقد وجد جسداً آخر يتمدد إلى جوار زوجته ، رفع
الغطاء بسرعة البرق ، وإذ به يجد رجلاً ، نعم إنه رجل ينام جنباً إلى جنب زوجته في فراش
واحد ، لقد جن جنون مفرّج ، وقبل أن يتحرك ذلك الرجل سحب سيفه من غمده وضربه ضربة
واحدة كانت كافية لإنهاء حياته ، كانت الضربة الخاطفة أسرع من دهشة عمشا التي أفاقت من
نومها العميق مفجوعة ، صرخت : << وش سويت يا مفرّج .. وش سويت ، هذا ولد المهادي
يا مفرّج يضوي من المقناص تالي الليل وينوم جنب أمه ، وما درى أن أمه تركت لنا البيت >>
سقطت كل الشكوك وتطايرت في الهواء ، ولم يبق لمفرّج سوى أمل أن يقلب الجثة ربما يجد
الروح ما زالت فيها ، لكن إرادة الله قد نفذت ، جلست عمشا عند رأس الولد الميت تبكي ذلك
الحظ العاثر ، ومفرّج تحول هو الآخر إلى جثة ليس فيها إلا بقايا حياة ، لا يدري ماذا يفعل في
تلك المصيبة التي حلّت به من أول ليلة حلّ فيها ضيفاً على المهادي ، أول ليلة ينزل عليه ضيفاً
يقتل ولده ، يالها من حيرة ماذا سيفعل ؟ .. جلس مفرّج يفكر ويفكر ثم اهتدى إلى أن يذهب إلى
المهادي ويقص عليه القصة المفجعة ، ويسلمه نفسه فإن شاء أعتقه وإن شاء قتله .
ذهب مفرّج إلى المهادي تملأه الحسرة ، وعندما قص عليه ماحدث أغلق المهادي فمه خوفاً
من أن تسمعه زوجته - أم الفتى المقتول - وخرج به من المنزل ، وبشهامة العرب تكتم
المهادي على الخبر ، وحبس أوجاعه على فقد ابنه بداخله ، وذهبا معاً حيث الجثة ، ألقى
المهادي نظرة أخيرة على ابنه المقتول ، واستحلف مفرّج وزوجته بان لا يخبرا أحداً بما حدث ،
وأن يتركا الأمر لحسن تدبيره ، وبقلب لا يعرف التردد حمل المهادي ابنه ذاهباً به إلى المكان
الذي تعوَّد اللعب والجلوس فيه مع أبناء القبيلة ، ووضعه بجوار شجرة وهو يحرسه متمتماً
<< والله لو قاتلك مية فارس غير آخذ بثأرك ، يا ولدي ، لكن هذا الرجال اللي ضربك ما كان
يقصد يقتلك ، هذا ياولدي مثل أخوي وأكثر >> واستمر المهادي يهجس بقصة صداقته لمفرج ،
وبعد أن اطمئن على جثة ابنه من أن تأتي السباع وتنهشها ، ذهب إلى داره منتظراً الخبر ، وما
هي إلا دقائق وجاء من يصرخ : << سالم مات .. سالم مات >> فتسابق الرجال والنساء وفي
مقدمتهم المهادي إلى مكان الجثة ، وعندما وصل إلى هناك ثار وطالب الجميع بأن يدلوه على
قاتل ابنه << ثم استمر يضغط على قومه حتى اجتمع كبار القبيلة وشيوخها وطلبوا منه أن
يحدد ديّة تدفع عن ابنه المقتول ما دام جميع أفراد القبيلة في موضع اتهام >> وكان هذا ما
يريده المهادي ، حيث طلب ناقة عن كل رجل ، وقبلت القبيلة بشروطه ، بعدها قسّم المهادي
الديّة إلى قسمين ، الأول قدمه في نفس الوقت إلى أم ابنه المقتول ، والقسم الثاني أعطاه
لمفرّج ، والمهادي بهذه الخطوة يؤكد له أنه سامحه ، وهكذا مضت << 8 >> سنوات
والمهادي يجلس مع مفرّج وهو قاتل ابنه ، وعمشا تجلس مع أم القتيل وهي تكتم في قلبها
السر المؤلم ، و << بعد ثماني سنوات فوجىء مفرّج بأن صديقه المهادي يطلب منه الرحيل ،
فعندما كانا يلعبان << الشيزة >> ألمح المهادي إلى مفرّج بأنه لا يريد بقاءه ، وبطريقة غير
مباشرة يطلب منه الرحيل حيث قال له أكثر من مرة << ارحلوا ولا رحلنا >> بدلاً من كلمة <<
العبوا ولا لعبنا >> وصلت الرسالة إلى مفرّج وضاقت في وجهه الدنيا ، وتعب من التفكير في
السبب الأقوى من قتل الولد ، لقد قتل مفرّج ابن المهادي ومع ذلك لم يطلب منه هذا الطلب ،
وبالتالي فهم مفرّج بأن هناك ما هو أفدح من القتل ، لكن ما هو بالضبط لا يعرف ، فكّر أن
يذهب للمهادي ويستأذنه في الرحيل ، فإن منعه امتنع ، وإن وافق فهذا يعني أن هناك مشكلة
كبيرة لا بد من معرفتها . في الصباح كانت مقابلة المهادي لمفرّج فاترة على غير العادة ،
وكانت هذه رسالة أخرى لطلب الرحيل ، عاد مفرّج إلى البيت مسرعاً ، وأسرع بالرحيل ، لم
تكن له وجهة محددة وأخذته دروب الصحراء ، إلى أن اهتدى لفكرة بها مكن أن يعرف السبب ،
لقد كان المهادي شاعراً يغني همومه على الربابة وقت الضيق ، يغنيها بعد أن تنام عيون
الناس ، ومفرّج كان يعرف عنه هذه العادة ، وعندما اطمئن إلى أن عيون الناس قد غفلت ،
وأن هذا هو الموعد الذي يشجي فيه صديقه ، تسلل واسترق السمع تاركاً زوجته وأولاده
ومتاعه في عرض الصحراء ، اختبأ مفرّج خلف شجرة قريبة من مجلس المهادي ، وبعد أن
انفض السمار من حوله ، أخذ ربابته وبدأ الشجن :
يقـول المهـادي والمهـادي محمـد = لاوا علّتي جميع الورى ما درى بها
أنـا إن بينتهـا بانـت لرمـاقـة الـعـدا = وإن كنيتهـا ضـاق الحشـا بالتهابهـا
ثمـان سنـيـن وجـارنـا مـجـرم بـنـا = وهو كما واطي جمرة ما درى بهـا
رحـل جـارنـا مــا جــاه مـنـا رزيــه = ولـو جتـنـا مـنـه مــا جــاه عتابـهـا
نرفـو خمـال الجـار إلـى داس ذلـه = كمـا ترفـو بـيـض الـعـذارى ثيابـهـا
ترى جارنا القالط علـى كـل طلبـه = ولو كان ما يلقـى شهـود غـدا بهـا
الأجواد مثل العد مـن ورده ارتـوى = والأنذال لا تسقي ولا ينسقي بهـا
الأجواد مثل الزمل للشيل ترتكـي = الأنذال مثل الحشو كثير الرغـا بهـا
إلى أن وصل إلى البيت الذي كشف السر لمفرّج والذي يقول فيه :
ولي عجوز من سبيع آل عامر = مضيعـه غرّانهـا فـي شبابـهـا
هنا فهم مفرّج أن ذنباً كبيراً اقترفه أحد أبنائه . لكن رغم ذلك فإن المهادي ظل محتفظاً بمحبة
مفرّج وصداقته ، ففي القصيدة نفسها يقول المهادي :
أقسمت يا أرضٍ خلت من مفرّج = ما أبغاها ولو هو زعفـرانٍ ترابهـا
هذا البيت بالإضافة إلى جملة الأوجاع التي يعيشها مفرّج ضاعف شعوره بحجم المأساة ،
وضاعف أيضاً من رغبته في ضرورة الوصول للحقيقة الكاملة ، وعاد مفرّج إلى حيث ترك
زوجته وأولاده وحلاله ، عاد وهو ينوي اختبار أولاده الثلاثة بعدما تيقن بفطنة الفارس العربي
أن شيئاً قد فعله أحد أبنائه يتعلق ب << نورة >> بنت المهادي ، فلا شيء غير الشرف يمكن
أن يكون سبباً فيما حدث ، وفكر مفرّج وفكر ، وعندما وصل إلى مكان أهله كانت خطة الاختبار
قد نضجت في عقله ، استدعى ابنه الكبير وقال له : << المهادي باعنا وطردنا من ديرته وأنا
والله ما نيب متحسف على شيء أكثر من تركنا لبنته نورة ، ما كسبناها لا حلال ولا حرام >>
نظر الابن إلى أبيه بدهشة فألح الأب وألح ، وحاول أن يخطف من الابن ولو كلمة تدينه ، لكن
الابن كان شهماً ، وقال لأبيه << والله لو تنطبق السما على الأرض ما أخون جاري في
محارمه ، وهذي يا بوي جارتنا مثل أختنا >> فرح مفرّج بعفّة وشهامة ابنه ، ورتب الأمور
لاختبار ابنه الأوسط ، ومثلما أغرى الأول كي يخطف منه بعض الاعتراف ، فعل مع الثاني ،
لكنه أيضاً قطع الشك اليقين وأثبت لأبيه أنه لا يمكن أن يفعل مثل هذه الأشياء ، لكن فرحة
مفرّج بعفة وشهامة ولديه : الأكبر والأوسط ، عكرها ولده الأصغر ، فعندما قال له والده بقصد
الإيقاع به << يوم كنت في عمرك كنت سيد النساء ، ولو أنا في عمرك الآن ما أرحل من ديار
المهادي إلا وأنا مجتمع مع بنته نورة يا حلال يا حرام >> وبسرعة وقع المذنب في شر لسانه
، فقد ردَّ على والده قائلاً : << لو تأخرنا يوم واحدعن الرحيل أخذت بنت المهادي >> وبدأ
يصف محاسنها ويقص لأبيه كيف كان يتلصص عليها ، وكلما كان حديثه عنها يطول ، كان ثورة
الغضب تشتعل في دم والده ، الذي لم يطق أكثر فسحب سيفه وما هي إلا لحظات وكانت رأس
ابنه ملقاة على التراب ، << لقد قتل مفرّج ابنه ، وحمل رأسه تاركاً جسده لسباع الأرض >>
حملها ورأسه هو تضجّ مما يحيرها ، حتى وصل إلى زوجته وأولاده ، أخفى رأس الولد عنهم
ليعرف أولاً ردة فعلهم على الجريمة التي اقترفها الابن الأصغر ، فكانت رأيهم على الفور أن
تضرب رأسه وترسل للمهادي ، وفي منتصف الليل الدامس وضع مفرّج رأس الولد المقتول
بين يدي أخويه ليذهبا بها إلى المهادي ، فقطعا الطريق حزناً وألماً إلى بيت المهادي وعندما
رآهما من بعيد ، وفي حالة يرثى لها صرخ فيهما ، << مفرّج فيه شيء >> ؟ لكن الجواب كان
كلاماً كثيراً تختصره رأس أخيهما التي وضعاها أمامه ، وبغصة حزن عالية صرخ المهادي :
<< والله أخطيت يا مفرّج ، والله أخطيت يا مفرّج >> .
ومن هول المنظر تحول الرجال الذين جمعهم مجلس المهادي إلى حالة من الذهول ، فقد حمل
المهادي الرأس المقطوع وسط ذلك الجمع وهو يصرخ بكل صوته قائلاً << يا ويلك يالمهادي يا
ويلك >> ثم يحتضن ابني مفرّج الذين حملا رأس أخيهما ، وهو يبكي ويشكي ويقول بنبرة
يغلفها الحزن والألم << والله أخطيت يا مفرّج >> فكست الدموع الوجوه لأن مفرّج اختار
أصعب الحلول ليرضي صديقه ، ويكفّر عن الذنب الذي اقترفه ابنه .
ويسجل التاريخ واحدة من أجمل وأروع قصص الشهامة التي عاشتها الجزيرة العربية التي
كانت دائماً مسرحاً للعديد والعديد من الأحداث .