المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بلقيس ملكة سبأ


عبدالله الزومان
12-22-2008, 10:23 PM
بلقيس ملكة سبأ

نسبها:
تنسب الملكة بلقيس إلى الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر و هناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد اسم ونسب هذه الملكة الحِمْيَرية اليمانية، كما أنه لا يوجد تأريخ لسنة ولادتها ووفاتها.
حُكمها:
كانت بلقيس سليلة حسبٍ و نسب، فأبوها كان ملكاً، و قد ورثت الملك بولاية منه؛ لأنه على ما يبدو لم يرزق بأبناء بنين. لكن أشراف وعلية قومها استنكروا توليها العرش وقابلوا هذا الأمر بالازدراء و الاستياء، فكيف تتولى زمام الأمور في مملكة مترامية الأطراف مثل مملكتهم امرأة، أليس منهم رجلٌ رشيد ؟؟ و كان لهذا التشتت بين قوم بلقيس أصداء خارج حدود مملكتها ، فقد أثار الطمع في قلوب الطامحين الاستيلاء على مملكة سبأ، ومنهم الملك "عمرو بن أبرهة" الملقب بذي الأذعار.

فحشر ذو الأذعار جنده و توجه ناحية مملكة سبأ للاستيلاء عليها و على ملكتها بلقيس، إلا أن بلقيس علمت بما في نفس ذي الأذعار فخشيت على نفسها، واستخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار.

وعادت بلقيس بعد أن عم الفساد أرجاء مملكتها فقررت التخلص من ذي الأذعار، فدخلت عليه ذات يوم في قصره و ظلت تسقيه الخمر وهو ظانٌ أنها تسامره وعندما بلغ الخمر منه مبلغه، استلت سكيناً و ذبحته بها. إلا أن رواياتٍ أخرى تشير إلى أن بلقيس أرسلت إلى ذي الأذعار وطلبت منه أن يتزوجها بغية الانتقام منه، وعندما دخلت عليه فعلت فعلتها التي في الرواية الأولى وهذه الحادثة هي دليلٌ جليّ وواضح على رباطة جأشها وقوة نفسها، وفطنة عقلها وحسن تدبيرها للأمور، وخلصت بذلك أهل سبأ من شر ذي الأذعار وفساده.
وازدهر زمن حكم بلقيس مملكة سبأ أيمّا ازدهار، واستقرت البلاد أيمّا استقرار، وتمتع أهل اليمن بالرخاء و الحضارة والعمران والمدنية. كما حاربت بلقيس الأعداء ووطدت أركان ملكها بالعدل وساست قومها بالحكمة. ومما أذاع صيتها و حببها إلى الناس قيامها بترميم سد مأرب الذي كان قد نال منه الزمن وأهرم بنيانه وأضعف أوصاله. وبلقيس هي أول ملكة اتخذت من سبأ مقراً لحكمها .

وقد ورد ذكر الملكة بلقيس في القرآن الكريم، فهي صاحبة الصرح المُمَرد من قوارير وذات القصة المشهورة مع النبي سليمان بن داود - عليه السلام - في سورة النمل.

وقد كان قوم بلقيس يعبدون الأجرام السماوية والشمس على وجه الخصوص، و كانوا يتقربون إليها بالقرابين، و يسجدون لها من دون الله، و هذا ما لفت انتباه الهُدهد الذي كان قد بعثه سليمان - عليه السلام- ليبحث عن موردٍ للماء. و بعد الوعيد الذي كان قد توعده سليمان إياه لتأخره عليه بأن يعذبه إن لم يأت بعذرٍ مقبول عاد الهدهد و عذره معه "أحطت بما لم تحط به و جئتك من سبأ بنبأ يقين" فقد وجد الهدهد أن أهل سبأ على الرغم مما آتاهم الله من النعم إلا أنهم" يسجدون للشمس من دون الله ".

فما كان من سليمان -عليه السلام- المعروف بكمال عقله وسعة حكمته إلا أن يتحرّى صدق كلام الهدهد، فقال: " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين" وأرسل إلى بلقيس ملكة سبأ بكتابٍ يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله والإنابة والإذعان، وأن يأتوه مسلمين خاضعين لحكمه وسلطانه، ونصه "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ,,, ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين"

كانت بلقيس حينها جالسة على سرير مملكتها المزخرف بأنواع من الجواهر واللآلئ والذهب مما يسلب الألباب ويذهب بالمنطق والأسباب ولما عُرف عن بلقيس من رجاحة وركازة العقل فإنها جمعت وزراءها وعلية قومها، و شاورتهم في أمر هذا الكتاب. في ذلك الوقت كانت مملكة سبأ تشهد من القوة ما يجعل الممالك الأخرى تخشاها، و تحسب لها ألف حساب. فكان رأي وزرائها " نحن أولوا قوةٍ و أولوا بأس شديدٍ " في إشارةٍ منهم إلى اللجوء للحرب والقوة.

إلا أن بلقيس صاحبة العلم والحكمة والبصيرة النافذة ارتأت رأياً مخالفاً لرأيهم، فهي تعلم بخبرتها وتجاربها في الحياة أن " الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون". وبصرت بما لم يبصروا ورأت أن ترسل إلى سليمان بهديةٍ مع علية قومها، عله يلين أو يغير رأيه، منتظرةٌ بما يرجع المرسلون. ولكن سليمان -عليه السلام- رد عليهم برد قوي ومتوعداً إياهم بالوعيد الشديد قائلاً: "أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون".

عندها أيقنت بلقيس بقوة سليمان وعظمة سلطانه، وأنه لا ريب نبي من عند الله -عز وجل-، فجمعت حرسها وجنودها واتجهت إلى الشام حيث سليمان -عليه السلام-.

وكان عرش بلقيس وهي في طريقها إلى سليمان -عليه السلام- مستقراً عنده. ومشت بلقيس على الصرح الممرد من قوارير والذي كان ممتداً على عرشها، إلا أنها حسبته لجةً فكشفت عن ساقيها وكانت مخطئة بذلك عندها عرفت أنها وقومها كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم لغير الله -تعالى- وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

وقد ظهر تابوت بلقيس في عصر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك و عليه كتابات تشير إلى أنها ماتت لإحدى وعشرين سنة خلت من حكم سليمان عليه السلام. وفتح التابوت فإذا هي غضّة لم يتغير جسمها، فرفع الأمر إلى الخليفة فأمر بترك التابوت مكانه وبنى عليه الصخر.
"قراءةٌ في شخصية الملكة بلقيس "

إن بلقيس لم تكن امرأة عادية، أو ملكة حكمت في زمن من الأزمان و مر ذكرها مرور الكرام شأن كثير من الملوك و الأمراء. و دليل ذلك ورود ذكرها في القرآن. فقد خلد القرآن الكريم بلقيس، و تعرض لها دون أن يمسّها بسوء ، و يكفيها شرفاً أن ورد ذكرها في كتابٍ منزلٍ من لدن حكيم عليم.


بعض الحقائق عن بلقيس :

1- حسن التقدير والاحترام والفهم لفحوى الرسالة التي ألقاها الهدهد حيث قالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ,,, إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ,,, أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)[النمل:29-31].

2- الشورى لذوي الاختصاص والأمر ورفض مبدأ التفرّد في الحكم حيث عرضت قضية كتاب سليمان التي يترتب عليها تغيير في العقيدة والعبادة وسيادة المملكة ، قالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ)[النمل:32]، فأجابوا عليها بحسن ظنهم وتقديرهم لفكرها واعتزازهم بمملكتهم وثقتهم في قوتهم المادية: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)[النمل:33].

3- العلم بتاريخ الأمم والملوك والغزاة: حيث قالت: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)[النمل:34].

4- تقيم الموقف السياسي والعسكري : بأن ترسل هدية إلى سليمان ، فإن كان ملكًا من ملوك الدنيا فرح بها وقبلها ويخفف التوتر بين المملكتين، وإن كان نبيًا مرسلاً رفض ولم يرضَ إلاَّ بتغيير العقيدة وإعلان الإسلام.. كذلك سيتعرف الرسل الذين سيحملون الهدايا عن كثب عن أخبار سليمان وملكه وجنوده ، ووافق الشعب على رأي ملكته وأعد الهدايا ، وأسرف فيها لتليق ولتحظى بالقبول عند سليمان.
ولما ذهب الرسل إلى سليمان رفض هديتهم وأدهشهم ملكه وجنوده من الإنس والطير والحيوانات، وأعلن رفضه بقوله: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ,,, ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)[النمل:36، 37].
حينذاك قررت الملكة أن تذهب مع كبار قومها إلى سليمان لتصل إلى حل سلمي ودِّي يستقر عليه التفاوض فيما بينهما سواء في العقيدة أو الملك.

5- الذكاء والفطنة : كانت الرحلة بين سبأ ومكان إقامة النبي سليمان عليه السلام ، تستغرق ثلاثة اشهر، وأراد سليمان أن يختبر ذكاء بلقيس بأن يظهر لها فضل الله عليه وملكه الذي لا ينبغي لأحد أن يملك مثله ، بأن يحضر لها كرسي عرشها من مملكتها إلى مملكته ويجلسها فوقه ، فقال لجنوده: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)[النمل:38]، فأجاب عفريت من الجن: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)[النمل:39]، أي سيحضره في غضون ساعات، فقال الذي عنده علم من الكتاب لسليمان: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)[النمل:40]، أي في غضون ثواني قليلة ، فلما رأى سليمان العرش مستقرًا عنده لم يفرح بقدرته أو قدرة أعوانه وجنوده ، ولكنه قال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ,, قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ,, فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ)[النمل:40، 41،42] .
وهذا سؤال عصيب استخدمه سليمان لقياس معدل ذكاء ملكة سبأ ، فالعرش عرشها به أمارات قد ألفتها وعرفتها ولا تستطيع أن تنكرها رغم تغيير بعض العلامات، ولكن كيف يجيء العرش من اليمن إلى بلاد الشام وقد تركته هناك في حماية جنودها وشعبها ؟؟ فإن أجابت نعم هذا هو عرشي كانت الإجابة غير صحيحة , لأن عرشها في اليمن وليس عند سليمان , وإن قالت لا كان ذكاؤها ضعيفًا أو محدودًا لأنها تفكر استنادًا لأفكار في رأسها دون أن تطرح هذه الأفكار للمناقشة مع هذا الواقع الجديد. فأجابت إجابة تنم عن فطنة وحكمة واسعة لا تثبت ولا تنفي ، فقالت: (كَأَنَّهُ هُوَ).
ورغم رجاحة عقلها ، إلا أنها كانت تحيا في بيئة فاسدة كافرة مظلمة ، وهذا يدل على أن ذوي الألباب حين يأتيهم ضوء الهدى والإيمان فإنهم سرعان ما يهتدون به في حياتهم وسلوكهم ، والعقل في حاجة إلى هداية ربه وإرشاده حتى يعقل ويحسن التصرف.

وجاء السياق القرآني الكريم يوضح علة كفر بلقيس وهي نشأتها في بيئة كافرة في عقيدتها وتصورها (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ)[النمل:43]، وأعد سليمان عليه السلام مفاجأة أخرى، حيث أعدَّ قصرًا من البلور أقيمت أرضيته فوق الماء وظهر كأنه لجة ، فلما قيل لها ادخلي الصرح حسبت أنها ستخوض تلك اللجة ، فكشفت عن ساقيها ، فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها ، قال: (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ)[النمل:44]، وأمام تلك العجائب الإلهية التي سُخرت لخدمة سليمان وقفت الملكة في دهشة ، ورجعت إلى ربها واعترفت بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غير الله ، معلنة إسلامها مع سليمان لا لسليمان ، ولكن (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

لقد اهتدى قلبها وعرف عقلها أن الإسلام لله ليس استسلامًا لأحد من خلقه ، ولو كان هو سليمان النبي الملك صاحب المعجزات، أما الإسلام فهو إسلام لله رب العالمين، ومصاحبة المؤمنين والداعين إلى طريقه (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[النمل:44].

بهذا التصرف الحكيم أسدلت بلقيس ملكة سبأ الستار على قصة مثيرة بين دولتين، وتبعها شعبها فأسلم مثلها ، فأكرم بها من امرأة وملكة كانت تحكم شعبها بأسلوب الشورى ، وجنبت شعبها ويلات الحرب بسياستها الحكيمة وعقلها الرزين، وكذلك ويلات الهلاك في الآخرة إذا ظلوا على كفرهم ولم يسلموا لله رب العالمين مع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام.

مشهور الغازي
12-22-2008, 10:28 PM
عبدالله الزومان

يعطيك العافيه على هالمعلومات ولاهنت

تقبل مروري

*ناايف الموزان*
12-22-2008, 11:54 PM
معلومات مهمه وكلام..وتفصيل..عن شخصيه بلقيس..
ماأقول الا جزااك الله كل خير.. ياعبدالله.
خالص مودتي وإحترامي..

أبو زاهر
02-04-2009, 05:22 PM
معلومات قيمه

مشكور على هذا الموضوع

لك تحيتي

مشعل الشريهي
02-06-2009, 12:36 AM
مشكور يابوعبدالعزيز ولك مني هالاضافة البسيطة

وذكروا أن الهدهاد بن شرحبيل ولى الملك بعد أبيه، وأنه خرج ذات يوم للقنص، فرأى غزالة يطاردها ذئب وقد أضافها إلى ضيق ليس للغزالة منه مخلص، فحمل الهدهاد على الذئب فطرده عن الغزالة، وانفرد لها يطلبها لينظر أين ينتهي ما بها، فسار في أثر الغزالة وانقطع عن أصحابه، فبينما هو كذلك إذ ظهرت عليه مدينة عظيمة فيها من كل شيء والإبل والخير وأنواع الفواكه. فوقف دونها متعجبا، إذ أقبل رجل من أهل البلد التي ظهرت له فسلم عليه ورحب به، ثم قال للهدهاد: أيها الملك أراك متعجبا لما ظهرت لك، فقال له الهدهاد هو ذاك ما قلت، ما هذه المدينة ومن ساكنها? فقال هذه مأرب، سميت بأسم قومك.وهي مدينة العرم، حي من الجن، قال فبينما هو معه في الكلام، إذ مرت بهم امرأة لم ير الراءون أحسن منها وجها، ولا أكمل منها خلقا، ولا أظهر منها صباحا، ولا أطيب رائحة. فأفتتن بها الهدهاد وعلم ملك الجن أنه قد هواها وشغف بها. فقال له: يا بن شرحبيل إن كنت قد هويتها فأنا أزوجكها، فجزاه الهدهاد خيرا، وقال له ومن لي بذلك? فقال له الجنى: أنا لك بما عرضت من تزويجي إياها منك، وتوفيقي بينكما على أيسر الأحوال وأتمها، فهلا عرفتها? فقال الهدهاد وما رأيتها قبل يومي هذا، قال الجني: هي الغزالة التي خلصتها من الذئب، وسنكافئك على جميل فعلك بأن نحبوك بها، فتأهب للدخول عليها، فأنا أزوجك بها بشهادة الله تعالى وشهادة ملائكته، فإذا أردت ذلك فاقدم علينا بخاصة قومك وملوكهم وأهل بيتك، يشهدون إملاكها ووليمتها، وميعادك شهر رجب الآتي، قال فانصرف الهدهاد بن شرحبيل وغابت عنه المدينة، فإذا أصحابه يجدون في البحث عنه فقالوا له: أين كنت? فنحن في طلبك مذ فارقتنا، ولم نترك شيئا من هذه الفلوات إلا قلبناها وطلبناك فيها، فقال لهم لم أبعد عنكم وأقبل يسير معهم وهو ينشد شعراً:
عجائب الدهر لا تفـنـى أوابـدهـا والمرء ما عاش ما يخلو من العجب
ما كنت أحسب أن الأرض يعمرهـا غير الأعاجم في الآفاق والـعـرب
وكنت أخبر بالـجـن الـجـفـاة ولا أرد أخبـارهـا إلا إلـى الـكـذب
حتـى رأيت مـقـاصـير مـشـيدة للجن مضروبة الأبواب والحـجـب
يحفها الزرع والماء المحـيط بـهـا مع المواقير من نخل ومن عـنـب
ومن جمادى ويأتـي بـعـده رجـب وسوف أسرى على الميعاد من رجب
حتى أوافي خير الجـن مـن عـرم ذاك بن صعب الفتى المعروف باليلب
ثم خرج الهدهاد بن شرحبيل على ميعاد أصهاره من الجن مع خاصة قومه وخدمه، حتى وافاهم فوجد هو ومن معه قصراً بنوه لهم في فلاة من الأرض، محفوفا بالنخيل والأعناب والزرع والفواكه، تجرى فيه الماء الجارية فتعجب القوم من ذلك عجبا شديدا، ورأوا ملكا عظيما، فنزلوا معه في القصر على فرش لم يروا مثله، وقربت لهم الموائد عليها من طبقات المأكولات وألوانها، التي لم يأكلوا قط أطيب منها طعما، ولا أزكى منها رائحة، وشربوا من شراب لم يشربوا قط أهضم منه ولا ألذ، ولا أمرأ منه ولا أخف. فمكثوا معه ثلاثة أيام، وزفت إلى الهدهاد امرأته واسمها الحرورى بنت يلب بن الصعب العرم ملك الجن، وأذن الهدهاد لقومه وخاصته بالانصراف إلى مواضعهم،0 ثم مكث الملك مع الحروريين زمانا وولدت له بلقيس، وصار القصر الذي بناه له الجن دار مملكته، وتوفى أبوها الملك الهدهاد ولم تبق أمها بعده إلا قليل، وبقيت بلقيس مع أخوالها من الجن، وجلس في الملك ابن عم أبيها شمر بن غش، وسمع له الناس وأطاعوا، ثم أرسل إلى بلقيس يخطبها فأجابته إلى ذلك على أنه لا يخالفها في شيء تريده أو في شيء تكرهه، فضمن لها بذلك وتزوجها.
وذكروا أنه لما رأى من كفايتها ورعايتها للملك وحفظها وحسن قيامها به، كان لا يأمر ولا ينهي أحدا غيرها على الرسم الذي جرى لها، ثم أنه مات وما أحد درى بموته إلا في أيام سليمان بن داود عليه السلام. وقصتها مع نبي الله مشهورة، ثم انتقل الملك من رهط بلقيس إلى زرعة بن كعب وهو حمير الأصغر، أبوه عبد شمس، وعبد شمس هو سبأ الأصغر.

ابومتعب الشمري
02-28-2009, 02:52 AM
تسلم يمينك عبدالله على هذا

الله يعطيك العافية



تقبل مروري

أنور الشمري
03-01-2009, 01:06 AM
نقل رائع

ومعلومات مفيده للاطلاع والفائده


الف شكر اخوي عبدالله الزومان


تقبل مروري