مشعل الشريهي
12-29-2008, 03:07 PM
المشهور من بقايا طيء الموجودين الآن خمسة أبطن: البطن الأول: ربيعة. قال في مسالك الأبصار: وهم بنو ربيعة بن حازم بن ابن علي بن الفرج بن دَغفل بن جراح بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن حرب ابن السّكن بن ربيع بن عَلْقي بن حَوْط بن عمرو بن خالد بن معبد بن عدي ابن أفلت بن سلسلة، المقدم ذكره.
قال: ويقول بنو ربيعة الآن: إنهم من ولد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، ولد له من العباسة بني المهدي أخت الرشيد، على ما زعموا أنه كان يحضر مع أخيها الرشيد مجلسه الخاص، وأنه كلمه في تزويجها ليحل له النظر إليها لاجتماعها بمجلسه، فعقد له عليها وشرط عليه ألاّ يطأها، فواقعها جفعر على حين غفلة من الرشيد، فحملت منه بولد، كان ربيعة هذا من نسله.
قال: ويقولون في نسبه: هو ربيعة بن سال بن شبيب بن حازم بن علي ن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك.
ويقولون: إن نكبة البرامكة إنما كانت بسبب ذلك.
ثم قال: وأصلهم إذا نُسِبوا إليه أشرف لهم، لأنهم من سلسلة بن عنيز بن سلامان، من طيء. وهم كرام العرب وأهل البأس والنجدة. والبرامكة، وإن كانوا قوماً كراماً فإنهم قوم عجم، وشتان بين العرب والعجم، وقد شرّف الله تعالى العرب بأن بعث منهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل فيهم كتابه، وجعل فيهم الخلافة والملك، وابتزَّ بهم ملك فارس والروم، وقرع بأسنتهم تاج كسرى وقيصر، وكفى بذلك شرفاً لا يطاول، وفخراً لا يتناول.
وذكر في كتاب "التعريف في المصطلح الشريف" نحو من ذلك.
قال الحمداني: وكان ربيعة هذا قد نشأ في أيام الأتابك زنكي وابنه العادل نور الدين صاحب الشام. ونبغ بين العرب، وولد له أربعة أولاد، وهم فضل، ومرا، وثابت، ودغفل. ومنهم الأربعة تفرعت آل ربيعة.
قال في العبر: كانت الرياسة على طيء أيام الفاطميين لبني الجراح، ثم صارت لمرا بن ربيعة.
قال: وكلهم ورثوا أرض غسان بالشام، وملكهم على العرب، ثم صارت الرياسة لآل عيسى بن مهنا بن فضل بن ربيعة.
قال الحمداني: وفي آل ربيعة هؤلاء جماعة كثيرة أعيان لهم مكانة وأبهة.
قال: وأول من رأيت منهم حَديثة بن فضل. وغنَّام أبو الطاهر، على أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب. ثم حضر الجميع إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية في سلطنة المُعز أيبك التركماني، وهم: زامل بن علي بن حديثة، وأخوه أبي بكر بن علي، وأحمد بن حجي، وأولاده، وإخوته، وعيسى ابن مهنا بن ماتع بن حديثة، وأولاده وأخوه.
قال: وهم سادات العرب ووجوهها، ولهم عند السلاطين حُرمة كبيرة وصيت عظيم، إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم.
من تَلق منهم تَقُل لاقيتُ سـيدهـم مثل النجوم التي يسري بها الساري
ثم قال: إلا إنهم من بُعد صيتهم قليل عددهم. ولما توهم في مسالك الأبصار أن في هذا القول غضّاً منهم أنشد عليه:
تُعيرنا أنَّا قلـيلٌ عـديدنـا فقلت لها إن الكرام قلـيلُ
وما ضَرَّنا أنَّا قليلٌ وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
واعلم أن هذه العرب لم يزل لهم عند الملوك وزيد البر، والجاه، وجزيل العطاء، لا سيما عند وفادتهم إلى الأبواب السلطانية.
قال الحمداني: قد وفد فرج بن حية على المعز أيبك، فأنزله بدار الضيافة وأقام بها أياماً، فكان مقدار ما وصل إليه من عين وقماش وإقامة له ولمن معه ستة وثلاثين ألف دينار.
قال: واجتمع بالظاهر جماعة من آل ربيعة وغيرهم. فحصل لهم من الضيافة في المُدة اليسيرة أكثر من هذا المقدار، كل ذلك على يدي.
قال المَقر الشهابي بن فضل الله: قال الحمداني هذا واستكثره وأطال فيه، واستعظمه، فكيف لو عمر إلى زماننا، ورأى إليهم إحسان سلطاننا، والعطايا كيف كانت تفيض عليهم فيضاً من الذهب والعين والدراهم بمئات الألوف، والخلع والأطلس بالأطرزة المزركشة، وأنواع القماش المفصل لملوكهم بالسمُّور، والوشق والسنجاب، والبرطاسي، والأطرزة المزركشة، والملمَّع والباهي، والسازج والعنابي من السكندري، وفاخر المقترح والمصبوغات المجوهرة، والذهب وأنواع المزركش لنسائهم، والسكر المكرر والأشربة المختلفة بالقناطير المقنطرة، إلى ما ينعم به على أعيانهم من الجواري الترك، والخيل للنتاج، والفحول للمهاري، مع ما يطلق لهم من الأموال الجمة بالشام، ويقطع باسمهم من المدن والبلاد، ويملك لهم من القرى والضياع، ويعطي غلمانهم، ويجري عليهم من الإقطاعات لهم وللائذين بهم والنجاة بجاههم، مع المكافآت المالية، والشفاعات المقبولة، في استخدام الوظائف، وترتيب الرواتب، وإقطاع الجند، والإطلاق من السجون والمراعاة في الغيبة والحضور، إلى غير ذلك من تجاوز أمثال الكفاية في الإنزال، والمضيف لهم ولأتباعهم، منذ خروجهم من بيوتهم إلى حين عودتهم إليها، مع مؤاكلة السلطان مدة إقامتهم بحضرته غداءً، وعشاء، والدخول عليه في المحافل، والخلوات، وملازمته أكثر الأوقات.
"وإن وجدت لساناً قائلاً فقُل" ثم المشهور من آل ربيعة الآن ثلاثة أفخاذ: الفخذ الأول: آل فضل. وهم: بنو فضل بن ربيعة، المقدم ذكره، وأعظمهم شأناً، وأرفعهم قدراً: آل عيسى. وأميرهم أعلى رتبة عند الملوك من سائر العرب.
قال في مسالك الأبصار: ومنازل آل فضل هؤلاء من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرَّحبة، آخذين على شِقَّي الفرات، وأطراف العراق، حتى ينتهي حدُّهم قِبلة يشرق إلى الوشم، آخذين يساراً إلى البصرة.
قال: ولهم مياه كثيرة ومناهل مورودة كما قيل:
ولها منهل على كُل ماء وعلى كل دِمْنة آثـار
ثم قال: وينضم إليهم ويدخل فيهم من سائر العرب: زعب، والحريث، وبنو كلب، وبنو كلاب، وآل بشار، وخالد حمص، وطائفة من سِنْبِس، وسعيدة. وطائفة من بربر، وخالد الحجاز، وبنو نفيل بن كُدر، وبنو رميم، وبنو حيّ، وقمران، والسراحين. ويأتيهم من عرب البرية من يُذكر فمن عربه: غالب، وأجود، والبطنان، وساعدة.
ومن بني خالد: آل جناح، والضبيبات من مياس. والحبور، والدغم والقرشة، وآل منيحة، وآل تبوت، والعامرة، والعلجان من خالد وفرقة من عائد. وهم آل يزيد، والدواسر، غير من يخالفهم في بعض الأحايين.
ثم قال: ولا يعرف في وقتنا هذا من لا يؤثر صحبتهم.
ثم نبع من آل فضل: عيسى بن مهنا بن ماتع بن حديثة بن عقبة بن فضل فعظم شأنه، وارتفع عند الملوك قدره، وصار المعول من آل فضل على عبيد.
ثم انقسم بنو عيسى إلى: بيت مُهنا بن عيسى، وبيت فضل بن عيسى، وبيت حارث بن عيسى. وأولاد محمد بن عيسى، وأولاد حديثة بن عيسى. وآل هبة ابن عيسى. وفي الثلاثة الأول الإمرة، وأمير الكل مهنا بن عيسى. والباقي وهم: أولاد محمد بن عيسى، وأولاد حديثة بن عيسى فأتباعه.
قال المقر الشهابي بن فضل الله: آل عيسى في وقتنا هذا هم الملوك البر فيما بعد واقترب، وسادات الناس ولا تصلح إلا عليهم العرب، قد ضربوا على الأرض نظاماً، وتفرقوا في فجاجها حجازاً وشاماً وعراقاً، أنَّى نزلت خلت الأرض قد رمت أفلاذها، والسماء قد رمت رذاذها؛ ترتج بخيولها صهيلاً، وتحتج بسيوفها على الرقاب صليلاً؛ تجمع قبائل، وتلمع مفاصل؛ وتنبت قناً، وتميت فتناً؛ قد نصبوا بمدرجة الطريق خيامهم، وأوقروا في عالم الأسماع أعلامهم، إن الكرم أعلى بهم؛ وتقارعوا في قرى الضيفان، وسارعوا إلى تقريب الجفان، قد داروا على البلاد أسواراً حصينة، وسواراً على معصم كل نهر، وعقداً في جيد كل مدينة وأحاطوا بالبر من جميع أقطاره، وحالوا بين الطير المحلق ومطاره، حفظوه من كل جهاته، وحرسوه من سائر مواضعه وآفاته، وصانوه من كل طارق يتطرق، وسارق يتسلل أو يتسرق، فلا تبصر إلا مرسى خيام، ومسير خدام، ومورد كرام، وموقد ضرام ومقعد همام، ومعقد زمام، ومجال غمام، وآجال رزق أو حمام، ومعهد أياد جسام ومشهد يوم يرعف به أنف قناة أو حسام، وملجأ خائف، وملجم حائف، وسجايا ملكية، وعطايا برمكية، ومواهب طائية، ومذاهب حاتمية، وبوادر ربيعية، ونوادر مرعية، وصوارم تنحسر بذيلها الرقاب، ومكارم يتحسر على إثرها السحاب، لا يُطرق لهم غاب، ولا يفل لهم حد ظفر ولا ناب، ولا يطرح لهم بيت مضيف، ولا يطيح إلا إليهم تابع مشتى ومصيف، لا يخلو ناديهم من حسب ضخم، وشجاع وبطل وجواد كريم، ووافد آمل، وقاصد نائل، وصارخ ملهوف، وهارب مستجير، وآمّ يؤمِّل المعروف، لا تنفك لهم نار قِرىً وقِراع، ومنار أمن ومناع، يسرح عدد الرمل لهم إبل وشاء، ومدّ البحر ما يريد المريد منها ويشاء، تطل منهم على بيوت قد بُنيت بأعلى الرُّبا وبلغت السحاب وعقد عليها الحُبى، قد اتخذت من الشعر الأسود، وبُطنت بالديباج المنجد، وفرشت بالمفارش الرومية والقطائف الكرخية، ونُضِّدت بها الوسائد، وقامت حولها الولائد، وشُدت السماء أطنابها، وأعدت لطوالع النجوم قبابها،وأرخيت سُجفها، وتزايد ظرفها؛ وشُرعت أبوابها إلى الهواء، واستُصرخ بها لدفع اللأواء، ورفعت عمدها، وقرر في الأرض وتدها، وطلعت البدور في كلتها، ورتعت الظباء في مشارق أهلتها.
وفي كلام آخر يطول ذكره قد استوفيته في كتابي: "صبح الأعشى في كتابة الإنشا".
قال الحمداني: وكان الملك الكامل قد أمَّر من آل فضل بن فضل بن ربيعة، ثم قسم بعد ذلك الإمرة نصفين، نصفها لماتع بن حديثة، ونصفها لغنام أبي الطاهر، ثم انتقلت الإمرة إلى أبي بكر بن علي بن حديثة، وعلا فيها قدره وبعد صيته، ثم خرجت الإمرة عنه إلى عيسى بن مهنا في أيام الظاهر بيبرس.
قال في مسالك الأبصار: ثم تفرقت الإمرة في بيوت بنيه الثلاثة، فجعلت إمرة بيت مهنا بن عيسى لأحمد بن مهنا، وإمرة بيت فضل بن عيسى لسيف بن فضل، وإمرة بيت حارث بن عيسى لقتادة بن حارث، وجعل الحكم لأحمد بن مهنا على الكل.
قلت: ولم تزل الإمرة تنتقل فيهم واحداً بعد واحد حتى صارت في أيام الظاهر برقوق لنُعير بن جبار، وبقيت في بنيه إلى الآن.
الفخذ الثاني: آل مِرا، بكسر الميم، وهم: بنو مرا بن ربيعة.
قال في مسالك الأبصار: وبيت الإمرة فيهم آل أحمد بن حجي، وبقيتهم آل مسخرا، وأميرهم سعد بن محمد، وآل ثمى، وأميرهم: برجس بن مكائيل، وآل بقرة، وأميرهم: علوان بن أبي عز، وآل شما وأميرهم: عمرو بن واصل.
قال: ثم صارت الإمرة في بيتين من آل أحمد بن حجي. فمن بيت بني نجاد بن أحمد: قتادة بن نجاد. ومن بني سليمان بن أحمد: شطى بن عمرو بن نوبة بن سليمان.
وذكر أن الإمرة كانت مقسومة بين هذين الاثنين نصفين، وأنه يدخل في إمرتهم من يذكر من العرب، وهم: حارثة، والخاص، ولام، وسعده، ومدلج، وقرير، وبنو صخر، وزبيد حوران- وهم زبيد صَرْخد- وبني غني، وبنو عر.
قال: ويأتيهم من عرب البرية آل ظفير، والمفاوجة، وآل سلطان، وآل غزي، وآل برجس، والحرسان، وآل المغيرة، وآل أبي فضل والزراق، وبنو حسين الشرفاء، والبطنان، وخثعم، وعدوان، وعنزة.
ثم قال: وآل مرا أبطال مناجيد، ورجال صناديد، وإقبال قُل كونوا حجارة أو حديداً، لا يعد معهم عنترة العبسي، ولا غرابة الأوسي، ألا إن الحظ لحظ بني عمهم، أتمّ مما لحظهم، ولم يزل بينهم وبين نُوب الحرب، ولهم في أكثرها الغلب. وقد كانت لهم بأحمد بن حجي الألفة الشماء، ثم قتلت بينهم القتلى وانزف قوة بأسهم سفك الدماء، وتشتت كلمتهم بقسمة الإمرة بينهم، على أنها لو لم تقسم بينهم لظلّ بينهم كل يوم قتيل، وأُخذ بجريرته قَبيل، لأنفة نفوسهم وعدم انقياد نظير منهم لنظير.
قال: وديارهم من بلاد الْجَيدور والجَولان إلى الزرقاء والضليل، إلى بُصرى، ومشرِّقاً إلى الحَرة المعروفة بحرة كشت قريباً من مكة المعظمة إلى شعباء، إلى نيران مَزْيد، إلى الهَضْب المعروف بهضب الراقي.
ثم قال: وربما طاب لهم البر وامتد بهم المرعى أوان خصب الشتاء فتوسعوا في الأرض وأطالوا عدد الأيام والليالي حتى تعود مكة المعظمة وراء ظهورهم، ويكاد سهيل يصير شامهم، ويصيرون مستقبلين بوجوههم الشام.
قال: ويقول بنو ربيعة الآن: إنهم من ولد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، ولد له من العباسة بني المهدي أخت الرشيد، على ما زعموا أنه كان يحضر مع أخيها الرشيد مجلسه الخاص، وأنه كلمه في تزويجها ليحل له النظر إليها لاجتماعها بمجلسه، فعقد له عليها وشرط عليه ألاّ يطأها، فواقعها جفعر على حين غفلة من الرشيد، فحملت منه بولد، كان ربيعة هذا من نسله.
قال: ويقولون في نسبه: هو ربيعة بن سال بن شبيب بن حازم بن علي ن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك.
ويقولون: إن نكبة البرامكة إنما كانت بسبب ذلك.
ثم قال: وأصلهم إذا نُسِبوا إليه أشرف لهم، لأنهم من سلسلة بن عنيز بن سلامان، من طيء. وهم كرام العرب وأهل البأس والنجدة. والبرامكة، وإن كانوا قوماً كراماً فإنهم قوم عجم، وشتان بين العرب والعجم، وقد شرّف الله تعالى العرب بأن بعث منهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل فيهم كتابه، وجعل فيهم الخلافة والملك، وابتزَّ بهم ملك فارس والروم، وقرع بأسنتهم تاج كسرى وقيصر، وكفى بذلك شرفاً لا يطاول، وفخراً لا يتناول.
وذكر في كتاب "التعريف في المصطلح الشريف" نحو من ذلك.
قال الحمداني: وكان ربيعة هذا قد نشأ في أيام الأتابك زنكي وابنه العادل نور الدين صاحب الشام. ونبغ بين العرب، وولد له أربعة أولاد، وهم فضل، ومرا، وثابت، ودغفل. ومنهم الأربعة تفرعت آل ربيعة.
قال في العبر: كانت الرياسة على طيء أيام الفاطميين لبني الجراح، ثم صارت لمرا بن ربيعة.
قال: وكلهم ورثوا أرض غسان بالشام، وملكهم على العرب، ثم صارت الرياسة لآل عيسى بن مهنا بن فضل بن ربيعة.
قال الحمداني: وفي آل ربيعة هؤلاء جماعة كثيرة أعيان لهم مكانة وأبهة.
قال: وأول من رأيت منهم حَديثة بن فضل. وغنَّام أبو الطاهر، على أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب. ثم حضر الجميع إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية في سلطنة المُعز أيبك التركماني، وهم: زامل بن علي بن حديثة، وأخوه أبي بكر بن علي، وأحمد بن حجي، وأولاده، وإخوته، وعيسى ابن مهنا بن ماتع بن حديثة، وأولاده وأخوه.
قال: وهم سادات العرب ووجوهها، ولهم عند السلاطين حُرمة كبيرة وصيت عظيم، إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم.
من تَلق منهم تَقُل لاقيتُ سـيدهـم مثل النجوم التي يسري بها الساري
ثم قال: إلا إنهم من بُعد صيتهم قليل عددهم. ولما توهم في مسالك الأبصار أن في هذا القول غضّاً منهم أنشد عليه:
تُعيرنا أنَّا قلـيلٌ عـديدنـا فقلت لها إن الكرام قلـيلُ
وما ضَرَّنا أنَّا قليلٌ وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
واعلم أن هذه العرب لم يزل لهم عند الملوك وزيد البر، والجاه، وجزيل العطاء، لا سيما عند وفادتهم إلى الأبواب السلطانية.
قال الحمداني: قد وفد فرج بن حية على المعز أيبك، فأنزله بدار الضيافة وأقام بها أياماً، فكان مقدار ما وصل إليه من عين وقماش وإقامة له ولمن معه ستة وثلاثين ألف دينار.
قال: واجتمع بالظاهر جماعة من آل ربيعة وغيرهم. فحصل لهم من الضيافة في المُدة اليسيرة أكثر من هذا المقدار، كل ذلك على يدي.
قال المَقر الشهابي بن فضل الله: قال الحمداني هذا واستكثره وأطال فيه، واستعظمه، فكيف لو عمر إلى زماننا، ورأى إليهم إحسان سلطاننا، والعطايا كيف كانت تفيض عليهم فيضاً من الذهب والعين والدراهم بمئات الألوف، والخلع والأطلس بالأطرزة المزركشة، وأنواع القماش المفصل لملوكهم بالسمُّور، والوشق والسنجاب، والبرطاسي، والأطرزة المزركشة، والملمَّع والباهي، والسازج والعنابي من السكندري، وفاخر المقترح والمصبوغات المجوهرة، والذهب وأنواع المزركش لنسائهم، والسكر المكرر والأشربة المختلفة بالقناطير المقنطرة، إلى ما ينعم به على أعيانهم من الجواري الترك، والخيل للنتاج، والفحول للمهاري، مع ما يطلق لهم من الأموال الجمة بالشام، ويقطع باسمهم من المدن والبلاد، ويملك لهم من القرى والضياع، ويعطي غلمانهم، ويجري عليهم من الإقطاعات لهم وللائذين بهم والنجاة بجاههم، مع المكافآت المالية، والشفاعات المقبولة، في استخدام الوظائف، وترتيب الرواتب، وإقطاع الجند، والإطلاق من السجون والمراعاة في الغيبة والحضور، إلى غير ذلك من تجاوز أمثال الكفاية في الإنزال، والمضيف لهم ولأتباعهم، منذ خروجهم من بيوتهم إلى حين عودتهم إليها، مع مؤاكلة السلطان مدة إقامتهم بحضرته غداءً، وعشاء، والدخول عليه في المحافل، والخلوات، وملازمته أكثر الأوقات.
"وإن وجدت لساناً قائلاً فقُل" ثم المشهور من آل ربيعة الآن ثلاثة أفخاذ: الفخذ الأول: آل فضل. وهم: بنو فضل بن ربيعة، المقدم ذكره، وأعظمهم شأناً، وأرفعهم قدراً: آل عيسى. وأميرهم أعلى رتبة عند الملوك من سائر العرب.
قال في مسالك الأبصار: ومنازل آل فضل هؤلاء من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرَّحبة، آخذين على شِقَّي الفرات، وأطراف العراق، حتى ينتهي حدُّهم قِبلة يشرق إلى الوشم، آخذين يساراً إلى البصرة.
قال: ولهم مياه كثيرة ومناهل مورودة كما قيل:
ولها منهل على كُل ماء وعلى كل دِمْنة آثـار
ثم قال: وينضم إليهم ويدخل فيهم من سائر العرب: زعب، والحريث، وبنو كلب، وبنو كلاب، وآل بشار، وخالد حمص، وطائفة من سِنْبِس، وسعيدة. وطائفة من بربر، وخالد الحجاز، وبنو نفيل بن كُدر، وبنو رميم، وبنو حيّ، وقمران، والسراحين. ويأتيهم من عرب البرية من يُذكر فمن عربه: غالب، وأجود، والبطنان، وساعدة.
ومن بني خالد: آل جناح، والضبيبات من مياس. والحبور، والدغم والقرشة، وآل منيحة، وآل تبوت، والعامرة، والعلجان من خالد وفرقة من عائد. وهم آل يزيد، والدواسر، غير من يخالفهم في بعض الأحايين.
ثم قال: ولا يعرف في وقتنا هذا من لا يؤثر صحبتهم.
ثم نبع من آل فضل: عيسى بن مهنا بن ماتع بن حديثة بن عقبة بن فضل فعظم شأنه، وارتفع عند الملوك قدره، وصار المعول من آل فضل على عبيد.
ثم انقسم بنو عيسى إلى: بيت مُهنا بن عيسى، وبيت فضل بن عيسى، وبيت حارث بن عيسى. وأولاد محمد بن عيسى، وأولاد حديثة بن عيسى. وآل هبة ابن عيسى. وفي الثلاثة الأول الإمرة، وأمير الكل مهنا بن عيسى. والباقي وهم: أولاد محمد بن عيسى، وأولاد حديثة بن عيسى فأتباعه.
قال المقر الشهابي بن فضل الله: آل عيسى في وقتنا هذا هم الملوك البر فيما بعد واقترب، وسادات الناس ولا تصلح إلا عليهم العرب، قد ضربوا على الأرض نظاماً، وتفرقوا في فجاجها حجازاً وشاماً وعراقاً، أنَّى نزلت خلت الأرض قد رمت أفلاذها، والسماء قد رمت رذاذها؛ ترتج بخيولها صهيلاً، وتحتج بسيوفها على الرقاب صليلاً؛ تجمع قبائل، وتلمع مفاصل؛ وتنبت قناً، وتميت فتناً؛ قد نصبوا بمدرجة الطريق خيامهم، وأوقروا في عالم الأسماع أعلامهم، إن الكرم أعلى بهم؛ وتقارعوا في قرى الضيفان، وسارعوا إلى تقريب الجفان، قد داروا على البلاد أسواراً حصينة، وسواراً على معصم كل نهر، وعقداً في جيد كل مدينة وأحاطوا بالبر من جميع أقطاره، وحالوا بين الطير المحلق ومطاره، حفظوه من كل جهاته، وحرسوه من سائر مواضعه وآفاته، وصانوه من كل طارق يتطرق، وسارق يتسلل أو يتسرق، فلا تبصر إلا مرسى خيام، ومسير خدام، ومورد كرام، وموقد ضرام ومقعد همام، ومعقد زمام، ومجال غمام، وآجال رزق أو حمام، ومعهد أياد جسام ومشهد يوم يرعف به أنف قناة أو حسام، وملجأ خائف، وملجم حائف، وسجايا ملكية، وعطايا برمكية، ومواهب طائية، ومذاهب حاتمية، وبوادر ربيعية، ونوادر مرعية، وصوارم تنحسر بذيلها الرقاب، ومكارم يتحسر على إثرها السحاب، لا يُطرق لهم غاب، ولا يفل لهم حد ظفر ولا ناب، ولا يطرح لهم بيت مضيف، ولا يطيح إلا إليهم تابع مشتى ومصيف، لا يخلو ناديهم من حسب ضخم، وشجاع وبطل وجواد كريم، ووافد آمل، وقاصد نائل، وصارخ ملهوف، وهارب مستجير، وآمّ يؤمِّل المعروف، لا تنفك لهم نار قِرىً وقِراع، ومنار أمن ومناع، يسرح عدد الرمل لهم إبل وشاء، ومدّ البحر ما يريد المريد منها ويشاء، تطل منهم على بيوت قد بُنيت بأعلى الرُّبا وبلغت السحاب وعقد عليها الحُبى، قد اتخذت من الشعر الأسود، وبُطنت بالديباج المنجد، وفرشت بالمفارش الرومية والقطائف الكرخية، ونُضِّدت بها الوسائد، وقامت حولها الولائد، وشُدت السماء أطنابها، وأعدت لطوالع النجوم قبابها،وأرخيت سُجفها، وتزايد ظرفها؛ وشُرعت أبوابها إلى الهواء، واستُصرخ بها لدفع اللأواء، ورفعت عمدها، وقرر في الأرض وتدها، وطلعت البدور في كلتها، ورتعت الظباء في مشارق أهلتها.
وفي كلام آخر يطول ذكره قد استوفيته في كتابي: "صبح الأعشى في كتابة الإنشا".
قال الحمداني: وكان الملك الكامل قد أمَّر من آل فضل بن فضل بن ربيعة، ثم قسم بعد ذلك الإمرة نصفين، نصفها لماتع بن حديثة، ونصفها لغنام أبي الطاهر، ثم انتقلت الإمرة إلى أبي بكر بن علي بن حديثة، وعلا فيها قدره وبعد صيته، ثم خرجت الإمرة عنه إلى عيسى بن مهنا في أيام الظاهر بيبرس.
قال في مسالك الأبصار: ثم تفرقت الإمرة في بيوت بنيه الثلاثة، فجعلت إمرة بيت مهنا بن عيسى لأحمد بن مهنا، وإمرة بيت فضل بن عيسى لسيف بن فضل، وإمرة بيت حارث بن عيسى لقتادة بن حارث، وجعل الحكم لأحمد بن مهنا على الكل.
قلت: ولم تزل الإمرة تنتقل فيهم واحداً بعد واحد حتى صارت في أيام الظاهر برقوق لنُعير بن جبار، وبقيت في بنيه إلى الآن.
الفخذ الثاني: آل مِرا، بكسر الميم، وهم: بنو مرا بن ربيعة.
قال في مسالك الأبصار: وبيت الإمرة فيهم آل أحمد بن حجي، وبقيتهم آل مسخرا، وأميرهم سعد بن محمد، وآل ثمى، وأميرهم: برجس بن مكائيل، وآل بقرة، وأميرهم: علوان بن أبي عز، وآل شما وأميرهم: عمرو بن واصل.
قال: ثم صارت الإمرة في بيتين من آل أحمد بن حجي. فمن بيت بني نجاد بن أحمد: قتادة بن نجاد. ومن بني سليمان بن أحمد: شطى بن عمرو بن نوبة بن سليمان.
وذكر أن الإمرة كانت مقسومة بين هذين الاثنين نصفين، وأنه يدخل في إمرتهم من يذكر من العرب، وهم: حارثة، والخاص، ولام، وسعده، ومدلج، وقرير، وبنو صخر، وزبيد حوران- وهم زبيد صَرْخد- وبني غني، وبنو عر.
قال: ويأتيهم من عرب البرية آل ظفير، والمفاوجة، وآل سلطان، وآل غزي، وآل برجس، والحرسان، وآل المغيرة، وآل أبي فضل والزراق، وبنو حسين الشرفاء، والبطنان، وخثعم، وعدوان، وعنزة.
ثم قال: وآل مرا أبطال مناجيد، ورجال صناديد، وإقبال قُل كونوا حجارة أو حديداً، لا يعد معهم عنترة العبسي، ولا غرابة الأوسي، ألا إن الحظ لحظ بني عمهم، أتمّ مما لحظهم، ولم يزل بينهم وبين نُوب الحرب، ولهم في أكثرها الغلب. وقد كانت لهم بأحمد بن حجي الألفة الشماء، ثم قتلت بينهم القتلى وانزف قوة بأسهم سفك الدماء، وتشتت كلمتهم بقسمة الإمرة بينهم، على أنها لو لم تقسم بينهم لظلّ بينهم كل يوم قتيل، وأُخذ بجريرته قَبيل، لأنفة نفوسهم وعدم انقياد نظير منهم لنظير.
قال: وديارهم من بلاد الْجَيدور والجَولان إلى الزرقاء والضليل، إلى بُصرى، ومشرِّقاً إلى الحَرة المعروفة بحرة كشت قريباً من مكة المعظمة إلى شعباء، إلى نيران مَزْيد، إلى الهَضْب المعروف بهضب الراقي.
ثم قال: وربما طاب لهم البر وامتد بهم المرعى أوان خصب الشتاء فتوسعوا في الأرض وأطالوا عدد الأيام والليالي حتى تعود مكة المعظمة وراء ظهورهم، ويكاد سهيل يصير شامهم، ويصيرون مستقبلين بوجوههم الشام.